الغزالي

136

إحياء علوم الدين

في الحال غيره لسلم المال إلى ذلك الغير ، فهذا مما اتفقوا على أن الكراهة فيه شديدة ، واختلفوا في كونه حراما ، والمعنى فيه متعارضا ، فإنه دائر بين الهدية المحضة ، وبين الرشوة المبذولة في مقابلة جاه محض في غرض معين . وإذا تعارضت المشابهة القياسية ، وعضدت الأخبار والآثار أحدهما ، تعين الميل إليه . وقد دلت الأخبار على تشديد الأمر في ذلك . قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « يأتي على النّاس زمان يستحلّ فيه السّحت بالهديّة والقتل بالموعظة يقتل البريء لتوعظ به العامّة » وسئل ابن مسعود رضي الله عنه عن السحت ، فقال يقضى الرجل الحاجة ، فتهدى له الهدية ولعله أراد قضاء الحاجة بكلمة لا تعب فيها ، أو تبرع بها لا على قصد أجرة ، فلا يجوز أن يأخذ بعده شيئا في معرض العوض شفع مسروق شفاعة ، فأهدى إليه المشفوع له جارية ، فغضب وردها ، وقال لو علمت ما في قلبك لما تكلمت في حاجتك ولا أتكلم فيما بقي منها وسئل طاوس عن هدايا السلطان فقال سحت . وأخذ عمر رضي الله عنه ربح مال القراض الذي أخذه ولداه من بيت المال ، وقال إنما أعطيتما لمكانكما منى ، إذ علم أنهما أعطيا لأجل جاه الولاية . وأهدت امرأة أبي عبيدة بن الجراح إلى خاتون ملكة الروم خلوقا ، فكافأتها بجوهر ، فأخذه عمر رضي الله عنه فباعه ، وأعطاها ثمن خلوقها ، ورد باقيه إلى بيت مال المسلمين . وقال جابر وأبو هريرة رضي الله عنهما . هدايا الملوك غلول . ولما رد عمر بن عبد العزيز الهدية ، قيل له كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] يقبل الهدية ! فقال كان ذلك له هدية . وهو لنا رشوة . أي كان يتقرب إليه لنبوته لا لولايته ، ونحن إنما نعطى للولاية وأعظم من ذلك كله ، ما روى أبو حميد الساعدي ، أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 3 ] بعث واليا على صدقات الأزد ، فلما جاء إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلم أمسك بعض ما معه